ابن قتيبة الدينوري
608
الشعر والشعراء
( وقد علمت نفسي مكان شفائها * قريبا ، وهل ما لا ينال قريب ؟ لئن كان برد الماء أبيض صافيا * إلىّ حبيبا ، إنّها لحبيب ) ثم انصرف إلى أهله باكيا محزونا ، فأخذه الهلاس ( 1 ) ، حتّى لم يبق منه شئ ، وقال قوم : هو مسحور ، وقال قوم : به جنّة ، وقالوا : باليمامة طبيب يقال له سالم ، له تابع من الجنّ ، وهو أطبّ الناس ، فساروا إليه من أرض بنى عذرة حتّى جاؤوه ، فجعل يسقيه وينشّر عنه ( 2 ) ، فقال : يا هناه ! هل عندك من الحبّ رقية قال : لا واللَّه ، فانصرفوا ، فمرّوا بطبيب بحجر ( 3 ) ، فعالجه وصنع به مثل ذلك ، فقال عروة : إنّه واللَّه ما دوائى إلا شخص بالبلقاء ، فانصرفوا به ، وفى ذلك يقول ( 4 ) : جعلت لعرّاف اليمامة حكمه * وعرّاف حجر إن هما شفيانى فما تركا من رقيّة يعلمانها * ولا سلوة إلا بها سقيانى ( 5 ) فقالا : شفاك اللَّه ، واللَّه ما لنا * بما حمّلت منك الضّلوع يدان
--> ( 1 ) الهلاس ، بضم الهاء : شدة السلال من الهزال . ( 2 ) ينشر عنه : من « النشرة » بضم النون وسكون الشين ، وهى ضرب من الرقية والعلاج ، يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن ، سميت « نشرة » لأنها ينشر بها عنه ما خامره من الداء ، أي : يكشف ويزال ، قاله في اللسان . والنشرة حرام ، إلى أنها سخف وضعف في العقل ، وقد ثبت في مسند أحمد 14180 بإسناد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه قال : « سئل النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن النشرة ؟ فقال : من عمل الشيطان » . ورواه أبو داود أيضا . ( 3 ) حجر ، بفتح الحاء وسكون الجيم : مدينة اليمامة وأم قراها ، وبها كان ينزل الوالي . ( 4 ) من قصيدة رائعة طويلة . في ذيل الأمالي ، وفى الخزانة 2 : 31 - 34 . ( 5 ) السلوة ، بفتح السين ، والسلوان ، بضمها : دواء يسقاه الحزين فيسلو ، أو خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا ! .